طرق الإنسان

"طرقي ليست كطرقكم وأفكاري ليست  كأفكاركم " يقول الرب

ينظر الإنسان إلى نفسه نظرة تختلف كلّيا عن نظرة الله له. وتقيمه للأمور تختلف كل البعد عن تقيم الله لها.

فإذا أخذنا مثلا نظرة الإنسان للعَظَمة نجد في كلمة الله أمثلة كثيرة على هذا الاختلاف:

نبوخذ نصّر
الملك كان يتمشّى على قصر مملكة بابل (دانيال4: 29- 33) نظر المدينة العظيمة وقال: "أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها لبيت المُلْك بقوّة اقتداري، ولجلال مجدي؟" والكلمة بعد بفم الملك وقع صوت من السماء قائلا: "لك يقولون يا نبوخذ نصّر المَلك: إنّ المُلك قد زال عنك. ويطردونك من بين الناس، وتكون سكناك مع حيوان البرّ، ويطعمونك العشب كالثيران، فتمضي عليك سبعة أزمنة حتى تعلم أنّ العلي متسلّط في مملكة الناس وأنه يعطيها من يشاء".

بيلشاصّر
الملك صنع وليمة عظيمة لعظمائه الألف (دانيال 5) ، وشرب خمرا قدّام الألف. وإذ كان يذوق الخمر، أمر بإحضار آنية الذهب التي أخرجت من هيكل بيت الرب ليشرب بها وعظمائه وزوجاته وسراريه. كانوا يشربون الخمر ويسبحون آلهة الذهب والفضة والنحاس والحديد والخشب والحجر. في تلك الساعة ظهرت أصابع يد إنسان وكتبت على حائط القصر هذه الكتابة: "منا منا تقيلُ وفرسين" الذي تفسيرها: منا، أحصى الله ملكوتك وأنهاه. تقيل، وُزنت بالموازين فوُجدت ناقصا. فرسِ، قسمت مملكتك وأُعطيت لمادي وفارس".

عُزيّا
الملك كان ابن ست عشرة سنة حين مَلَك (2 أخبار 26: 16) وفي بدء ملكه عمل المستقيم في عيني الرب إلاّ أنه بعد أن أنجحه الله وامتداد
حكمه تشدّد وارتفع قلبه إلى الهلاك وخان الرب إلهه، ودخل هيكل الرب ليوقد على مذبح البخور مُخالفا بذلك وصيّة الرب الذي أعطى ذلك الحق للكهنة بني هارون المُقدّسين فقط. فضربه الرب بالبرص إلى يوم وفاته.

هيرودس
الملك لبس الحلّة الملوكيّة وجلس يوما على كرسيّ المُلك وجعل يخاطب الشعب (أعمال 12: 21-22). فصرخ الشعب: "هذا صوت إله لا صوت إنسان" ففي الحال ضربه ملاك الرب لأنه لم يعطي المجد لله، فصار يأكله الدود ومات.
نظرة الله للعظمة تختلف كل الاختلاف عن نظرة الإنسان ونجد أمثلة كثيرة على هذا الأمر:

يوسف نظر إليه الإنسان كعبد أمّا الله فنظر إليه كوكيل ، باعه أخوته إلى قافلة اسماعيليين فأُنزل إلى مصر (تكوين 39) حيث اشتراه فوطيفار خصيّ فرعون رئيس الشرط فكان يخدم في بيته. وكان الرب مع يوسف ورأى سيّده أن الربّ معه وأنّ كل ما يصنعه كان الرب ينجحه بيده. وبعد أن قامت عليه سيّدته لأنه رفض أن يعمل الشرّ معها وُضع في بيت السجن ولكن الرب كان معه وبسط إليه لُطفاً وجعل نعمة له في عيني رئيس بيت السجن فلم يكن رئيس بيت السجن ينظر شيئا ألبته ممّا في يده لأنّ الرب كان معه ومهما صنع كان يُنجحه الرب.


أيوب كان أعظم كل بين المشرق (أيوب 1) . ذات يوم فقد كل ممتلكاته وأولاده وغلمانه ومواشيه. رآه أصحابه وامرأته إنسانا مُعدما (أيوب 2). أيوب رأى نفسه على حقيقته "عريانا خرجت من بطن أمّي وعريانا أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركاُ " (أيوب 1: 21).

نظر الله إلى أيوب بأنه "رجل كامل ومستقيم يتُقي الله ويحيد عن الشر"

والسؤال الآن يا عزيزي القارئ هو كيف تنظر إلى نفسك ، بمنظور الناس أم بمنظور الله؟

 السيّد المسيح ذكر هذا المثل في إنجيل لوقا (18: 10- 14) « إِنْسَانَانِ صَعِدَا إِلَى الْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا وَاحِدٌ فَرِّيسِيٌّ وَالآخَرُ عَشَّارٌ. أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هَكَذَا: اَللَّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ وَلاَ مِثْلَ هَذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ. وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللهُمَّ ارْحَمْنِي أَنَا الْخَاطِئَ. أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ هَذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّراً دُونَ ذَاكَ لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ ».


هل تنظر إلى صلاحك وأعمالك كما فعل الفرّيسي أم تعترف بأنك خاطي وتطلب المغفرة. ربما تقول في نفسك كذلك الفرّيسي أنا لست خاطفا أو ظالما أو زانيا، ولكن تذكّر ما تقوله كلمة الله "الجميع زاغوا وفسدوا معا. ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد" (رومية 3: 12). أي بنظر الله كلّنا خطاة. ليس واحد منّا إلا قد أخطأ إمّا بأعماله أو بلسانه أو بنظراته أو بأفكاره.