إن مات رَجُلٌ أفيحيا ؟

الكثير في عالمنا اليوم لا يؤمنون بوجود الله. فإذا كان الله غير موجود فلا يوجد نظام لهذا الكون. وبدون نظام لا وجد للحياة بعد الموت ولا دينونة أو آخرة. وإن لم يوجد حساب أودينونة يعمل الإنسان ما يحلو له بدون وازع أو ضمير. فلا عجب أنّ الشر ازداد والانحطاط الأخلاقي ساد في المجتمع.  حتى أنّ القوانين والأنظمة الحكومية لم تعد مبنيّة على اعتبارات خلقيّة وأدبيّة وأصبحت تعكس صورة المجتمع.

الانحطاط الخلقي ليس جديدا ، بل كان في كل المجتمعات التي لم تخضع لخالق السماوات والأرض. بولس الرسول  في الرسالة إلى أهل رومية والإصحاح الأول وصف فجور الناس وإثمهم … لأنهم حمقوا في أفكارهم … وبدل أن يمجّدوا الله أو يشكروه كإله عبدوا المخلوق دون الخالق …. مملوئين من كل إثم وزنا وشر وطمع وخبث مشحونين حسدا وقتلا وخصاما ومكرا وسوءا، نمّامين مُفترين مبغضين لله ثالبين متعظمين مبتدعين شرورا غير طائعين للوالدين.

بولس ردّ على الذين أنكروا القيامة "إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس"(1 كورنثوس 15: 19)  ولكنه كان واثقا من القيامة. وفي الرسالة إلى أهل فلبّي (1: 21) "لأنّ لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح" وأيضا  في العدد 23 "لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح. ذاك أفضل جدا".

الحكيم سليمان ذكر في سفر الجامعة "اذكر  خالقك قبل أن تأتي أيام الشر أو تجيء السنون إذ تقول ليس لي فيها سرور".

أيوب في أحلك أيامه سأل "إن مات رجل أفيحيا" (أيوب 14: 14) ولكن بعد صراعه الروحي والجسدي وجد الجواب إذ قال "أمّا أنا فقد علمت أنّ وليّي حيّ والآخر على الأرض يقوم . وبعد أن يفنى جلدي وبدون جسدي أرى الله" (أيوب 19: 25-26).

المسيحية هي ليست الديانة الوحيدة التي توعد بالحياة بعد الموت، ولكنها الوحيدة المبنيّة على الحقيقة التاريخية بموت وقيامة المسيح. ولولا الشهود الذين عاينوا قيامته واختبارات الملايين من المسيحيين عبر العصور بحقيقة المسيح في حياتهم ، لما اختلفت المسيحية عن باقي الديانات بوعود الجنّة.

كل الديانات الأخرى تعد بالملذّات والمسرّات في الحياة الآخرة، لكن المسيحيّة تَعد بالأمجاد السماويّة مع المسيح.  ولا يمكننا أن نتصوّر الجنّة بدون المسيح ، فهي تكون شاذّة. والمجد الذي لا يتمثّل فيه المسيح هو زائف. الأمجاد السماوية القادمة تصبح واضحة فقط عندما يمتلئ القلب من محبّة المسيح. فهو العريس الذي سيأتي ليخطف العروس،  وهو الخروف هيكل المدينة العظيمة ، وهو كوكب الصبح المنير وسراجُها الذي ينير عليها.

أمنية كل مسيحي أن يكون مع المسيح حيث الأمجاد السماوية في انتظاره. بولس الرسول قال في رسالته لأهل فلبي (1: 21-23) "لأن لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح ….لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ، ذاك أفضل جداً". هذا لا يعني أنّ المسيحي يبحث عن الموت ، ولكن يعني أنّ الموت بالنسبة له هو بداية حياة أفضل. حوالي سنة 110 م. عندما حُكم على أغناطيوس الأنطاكي بالموت في حلبة المصارعة  أرسل رسالة إلى أصدقائه قائلا " إنّ آلام مَخاضي قد حضرت… لا تمنعوني من الحياة … دعوني أستلم النور الحقيقي: وعندما أصل هناك سأكون رجلا حقيقيا".  لا شك أنّه إن مات رجُلا مؤمنا بالمسيح فسيحيا.