هل
تصلح الأعمال للتكفير؟
لقد كانت محاولة آدم وحوّاء تغطية عريهما بأوراق التين هي أولى محاولات
البشر لعلاج الخطيّة بالأعمال. وكل ممارسات الإنسان الدينيّة فيما بعد من
طقوس متنوعة وفرائض مختلفة، وكل محاولات إرضاء الله بالأعمال إنما هي
إعادة المحاولة لستر العورة بورق التين، أي لا جدوى منها على الإطلاق.
يقول النبي أشعيا أشعياء في هذا الصدد "صرنا كلّنا كنجس وكثوب عدّة كل
أعمال
برّنا" (أشعياء 64: 4). هذه هي أعمال برّنا في ضوء قداسة الله، خرق متّسخة
بالية. أتصلح تلك الخرق القذرة أن يَمثُل فيها الإنسان أمام الله القدّوس
؟
هناك حادثة في سفر التكوين إصحاح 4، أي في بداية البشريّة، ترينا فكر الله
في هذه المسألة. ففي هذا الإصحاح نقرأ عن أوّل متدينّ أراد الاقتراب إلى
الله. إنّه قايين المتدين الأول والقاتل الأول كذلك !! لكن قايين هذا لم
يقترب إلى الله على أساس الذبيحة، كما فعل هابيل أخوه، وبذلك فإنه تجاهل
حالة 0السقوط التي هو فيها إذ قد وُلد من أبوين خاطئين. بل لقد اقترب
قايين إلى الله على مبدأ الأعمال، مقدّما لله قربانا من تعب يديه، فرفضه
الله كما رفض قربانه. ونصحه أن يحسن الطريق (أي أن يقترب إليه بالذبيحة)
كيم يقبله. وكما رفض الله محاولة قايين الاقتراب إليه بثمر الأرض الملعونة
وتعب يديه لأنه خاطئ، هكذا أيضا مصير كل محاولات الإنسان التكفير عن نفسه
بالأعمال. لكن لماذا لا تصلح أعمالنا "الصالحة" للتكفير عن الذنوب ؟
الواقع هناك أربعة أسباب رئيسية لذلك:
1-
إن الأعمال
التي نقوم بـها، مهما عظمت، قيمتها محدودة لأنـها صادرة من
الإنسان المحدود. بينما حق الله الذي أُسيء إليه بسبب الخطيّة لا حدّ له.
المحدود لا يمكن قط أن يغطّي الغير محدود.
2- أن هذه الأعمال الصالحة ( إذا كان بوسعنا حقّا أن نعملها)
ليست تفضّلا منّا على الله بحيث نستحق الجزاء عليها ، بل هي واجب علينا ،
والتقصير فيه يستوجب العقاب.
3- "لأنّ أجرة الخطيّة هي موت" (رومية 6: 23) ، وليست أعمالا صالحة. فكما
لا يصلح أن يتعهّد القاتل أمام المحكمة بأنّه تاب ولن يعود إلى القتل مرّة
أخرى، وأنه يتعهّد مثلاً أمام المحكمة ببناء ملجأ للأيتام مقابل أن تسامحه
، هكذا لا تصلح الأعمال أن تكون مقابل أجرة الخطيّة وهي الموت.
4- لأنّ الأعمال التي نقول إنـها صالحة ليست هي كذلك في نظر الله، بل إنها
ملطخة بنقائص وعيوب الطبيعة البشرية الساقطة. تذكّر قول النبي أشعياء
"كثوب عدّة (أي خرق وسخة) كل أعمال برّنا".
إذاً من يتجاهل تعاليم الكتاب المقدّس الصريح بـهذا الخصوص ،
ويصرّ على الاقتراب إلى الله بأعماله، فإنه يتبع قايين في طريقه، طريق
الأعمال، إذ يظن أنّ الإنسان إذا عمل أفضل ما عنده فإنه بذلك ينال القبول
عند الله. وللأسف الشديد يوجد اليوم الملايين في كل العالم الذين يتبعون
قايين في طريقه ، وعنهم تقول كلمة الله "ويل لهم لأنـهم سلكوا طريق قايين" (يهوذا 11). إذا لا مفر إذا من الطريق الذي رسمه الله. فالأعمال لا
تصلح للتكفير، إنـها طريق قايين المرفوض. والطريق الوحيد للكفّارة هي
الذبيحة. ولكن أي ذبيحة ؟
منذ القديم أوجد الله بنعمته تكفيرا للتائبين بواسطة الذبائح والمحرقات، و
كان نظام الذبائح الذي وضعه الله يتيح للمذنب أن يضع يديه على رأس الذبيحة
رمزاً لانتقال خطاياه إلى الحيوان الذبيح الذي قدّمه نائبا عنه. وكان عليه
أن يذبح الحيوان بيده ويسلخ جلده ويقطّعه قطعا للحرق على
المذبح، وهكذا
كان الخاطئ يكفّر عن ذنبه بنائبه، أي الحيوان الذبيح الذي مات بديلا عنه.
كما هو مكتوب: "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة" (عبرانيين 9: 22).
ولا شك أنّ الناس شعروا خلال الأجيال أنّ كل ذبائحهم لا تستطيع أن تكملهم،
فهي لا تحقّق صلحا عمليّاً مع الله. وإن كان الله قد قبلها فذلك لأنّها
رمز للذبيحة الكاملة التي أعدّها منذ الأزل. وخلال عدّة قرون ذُبحت
حيوانات بلا عدد في العالم ، وسالت أنـهر الدماء من الذبائح لإقامة السلام
مع الله. ومعنى هذا أنّ رغبة الناس في الصلح مع الله أكثر ممّا نتصوّر.
حين جاء ملء الزمان عبّر الله عن محبّته للخطاة المتمرّدين بعمل رحمة فريد
عجيب، إذ وهب حملا مقدّسا بلا عيب ولا لوم. ذلك الحمل هو يسوع المسيح،
الذي وُلد من الروح القدس ومن مريم العذراء. وعاش بلا خطيّة. وفي
محبّته الأبديّة كان المقتدر أن يرفع كل خطايانا. والواقع أن لا
أحد غيره يصلح أن يكون وسيطاً بين الله والناس. ولهذا لقّبه الإنجيل
بـ"حمل الله رافع خطيّة العالم".
بـهذه المحبّة الفائقة الإدراك صار الأسد حملاً وديعاً، وعاش بيننا متواضع
القلب، صبوراً مطيعاً. وكانت حياة التواضع ونكران الذات سرّ انتصاره. وحين
عصفت به آلام الصليب لم يحقد على أعدائه الذين صلبوه، بل أحبّهم وغفر لهم.
وحين حمل في جسده خطايا العالم التي حجبت عنه وجه الآب، لم يكفّ عن
الإيمان بأبيه الغاضب من خطايانا.
وهكذا بطاعته حتى الموت موت الصليب. صرف المسيح غضب الله الآب وكفّر عن
خطايا العالم، فأصبح لنا سلام مع الله الذي أحبنا لأجل الذبيح الإلهي. إنه
حرّرنا من سُلطة الخطيّة، ونقلنا إلى رحاب نعمته، وابتدأ بـهذا الموت عالم
جديد. وحَمَلَ حَملُ الله خطيّة كل العالم ، وصالح مع الله الكبار
والصغار، الأغنياء والفقراء، المتعلّمين والجهلاء، وحمل خطاياك وخطاياي
أيضا. ولكنك لا تنال هذا الامتياز إلاّ حين تقرّ بآثامك وتندم عليها وتتوب
عنها. فبالتوبة الحقيقية وبالإيمان بحمل الله تتحقّق مُصالحتك مع الله. إن
قبلت موت المسيح النيابي، وأيقنت تماما أنّ القدّوس الحق مات فعلا لأجلك،
تتحرّر من وِزر خطاياك. وقد صرّح الرسل الأطهار أنّ لهذا الدم المبارك
قوّة للتطهير أعظم من كل ما لدى البشر من وسائل للتطهير كيماويا ونفسانيا
ودينياً ، كما هو مكتوب: "دم المسيح الذي بروح أزلي قدّم نفسه لله بلا
عيب، يطهّر ضمائركم من أعمال ميّتة، لتخدموا الله الحي" (عبرانيين 9:
13و14).
ماذا تعمل الآن أيها القارئ العزيز؟ اعترف بخطاياك أمام ديّان كل الأرض.
ضع ذنوبك على حمل الله الذي مات عنك. تعال إليه بروح منكسرة وخذه مخلّصا
وربّا لك واطلب منه أن يقود حياتك ويتربع على عرش قلبك.