النار قادمة

يتنبّأ الرسول بطرس في الإصحاح الثالث من رسالته الثانية أنه "سيأتي في آخر الأيام قوم مستهزئون سالكين بحسب شهوات أنفسهم وقائلين أين هو موعد مجيئه لأنه من حين رقد الآباء كل شيء باق هكذا من بدء الخليقة. لأنّ هذا يُخفى عليهم بإرادتهم أنّ السماوات كانت منذ القديم والأرض بكلمة الله قائمة من الماء وبالماء اللواتي بهنّ العالم الكائن حينئذ فاض عليه الماء فهلك. وأمّا السماوات والأرض الكائنة الآن فهي مخزونة بتلك الكلمة عينها محفوظة للنار إلى يوم الدين وهلاك الناس الفجّار".
      إذا نظرنا حولنا لن نتعب بالبحث عن المستهزئين بكلمة الله. وما أكثر النظريات والتعاليم المسمومة والتي تتغلغل إلى أذهاننا وأذهان أولادنا منذ نعومة أظفارهم والتي  تنكر وجود الله وتدّعي أنّ الإنسان هو نتيجة الصدفة أو خطأ ناتج في الخلايا الوراثية لأبسط الكائنات أدّت بالنتيجة إلى تكوّن الإنسان ؛ أي لا دخل للخالق بوجوده على الإطلاق. ولكن الكتاب المقدّس يخبرنا أنّ الله خلق الإنسان على صورته ومثاله وأنه صنع الكائنات الأخرى لخدمة الإنسان. وأيضا وجد وقت قبل دخول الخطية إلى العالم حيث لم يكن هناك موت أو مرض ولم تكن أخطاء أو صُدف وراثية أدّت إلى تطوّر الأجناس.

      الذين يؤمنون بنظرية الإرتقاء (Evolution Theory) يزعمون أنّ الأمور تسير الآن كما سارت عليه منذ ملايين السنين. فهم يقولون مثلا أنه نادرا ما تحدث الآثار المتحجّرة  (fossils) في فترة زمنيّة مُعاصرة ، لذلك لا بدّ من مرور ملايين السنين لحدوث الترسّبات الحجرية الموجودة في الصخور. أيضا يحاولون تفسير التطوّر الإرتقائي من خلال التغيرات الناتجة عن الأخطاء التي تحصل في العوامل الوراثية والتي إمّا تكون محدودة الأثر وإما تؤدي إلى تشوّهات أو أمراض وِراثية. لذلك فالمؤمنون بالمذهب الإرتقايي يعتقدون أنّ الحاضر هو المفتاح لفهم الأحداث التي تمّت في الماضي.

الله الذي كان موجودا منذ البدء يخبرنا من خلال الوحى في الكتاب المقدّس أنّه هو الذي خلق السماوات والأرض ويحدّثنا عن الأمور التي تمّت في الماضي كالطوفان الذي شمل الأرض أيام نوح وبرج بابل وغيرها من الأحداث التي غيّرت طبيعة الأرض الجيولوجيّة والجغرافية والبيولوجية إلى ما هي عليه اليوم. لذلك علينا أن نُلاحظ انّ ما حدث في الماضي هو المفتاح لما يحدث اليوم وليس العكس. بمعنى آخر دخول الخطية للعالم يشرح سبَب الموت والأمراض وحدوث الأخطاء والتشوّهات في العناصر الوراثية. الطوفان الكوني زمن نوح يشرح سجل الأثار المتحجّرة المدفونة تحت الأرض. أحداث بُرْج بابل تشرح بداية انتشار الحضارات واللغات المختلفة على وجه الأرض وهكذا. الذين يؤمنون بالنظريّة الإرتقائية يستهزئون بالكتاب المقدّس واضعين كل إيمانهم باعتقادهم أنّ "كل شيء باق هكذا من بدء الخليقة" كما تنبّأ عنهم الرسول بطرس.

 وقد يقول البعض: لو وُجِدت الإثباتات الكافية أنّ الله هو الذي خلق السماء والأرض وهو الذي أرسل الطوفان الكبير أيام نوح لآمن العلماء به. الجواب يذكره بطرس "لأنّ هذا يُخفى عليهم بإرادتهم" . ويقول بولس الرسول (رومية 1: 20) "لأنّ أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مُدركة بالمصنوعات السرمدية ولاهوته حنّى أنهم بلا عذر". يعني أنّ الإثباتات لوجود الخالق كثيرة حولنا لدرجة أنها تُديننا إن لم نؤمن. أيضا في رومية 1: 18 يخبرنا الكتاب عن أناس "يحجزون الحق بالإثم" بإرادتهم لأنهم لو آمنوا عليهم أن يطيعوا الله ويخضعوا لقوانينه.
أغلبية العُلماء اليوم يُخبروننا أنّ الأرض تكوّنت من كتلة غازيّة ملتهبة وليست من مخلوقات الله.  أكثريّة علماء الجيولوجيا يُنكرون حدوث طوفان شامل في الماضي شمل الأرض لذلك يؤمنون بمرور ملايين السنين على تكوّن بقايا الحيوانات المتحجّرة في الصخور الترسّبيّة. هؤلاء "يُخفى عليهم بإرادتهم" لأنه بالرغم من أنّ الإثباتات لا تُطابق ادعاءاتهم إلا أنهم يصرّون على اعتقاداتهم التي تفي بالغرض أي إنكارهم وجود الله. 

السيّد المسيح  استخدم طوفان نوح (متى 24: 37 -39) لِيُنذر الذين رفضوه أنّه سيأتي ثانية ليدين العالم. في المرّة الأولى زمن نوح استخدم الله الطوفان ولكن في المرّة الثانية سيستخدم النار. الإنسان الخاطي هو في حالة عصيان ضد الله لا يُريد أن يقِرْ أنه سيقف أمام الخالق ليعطي حسابا عن نفسه. لذلك بإنكاره دور الخالق والأحداث التي مرّت على الأرض كالطوفان يشعُر بطمأنينة مُزيّفة بأنه غير خاضع للمُحاسبة وبالتالي بإمكانه أن يصنع ما يريد ضمن القانون الأرضي.

النبوّة المذكورة في رسالة بطرس الثانية الإصحاح الثالث فيما يتعلق بآخر الأيام نراها تتحقق أمام أعيننا. مجيء الرب صار على الأبواب فإذا أردنا أن نهرب من الغضب الآتي على الأرض علينا أن نستفيد من نِعمة الله المجانية آتين لعنده طالبين الصفح والغفران عن خطايانا على أساس ذبيحة الرب يسوع الكَفّارية من أجلنا على الصليب معترفين به كمخلِّصا وربّاً لنا. النار قادمة لا محالة و لن يبقى شيء كما هو عليه الآن.