رسالة من وراء القبر

هي صرخة بائس دوت في أعماق الجحيم فتردد صداها في أرجاء الدنيا قاطبة يهيب ببني آدم الذين ما زالوا على قيد الحياة يقول:

يا ساكني الأرض !من أعماق الجحيم أكتب إليكم. من أعماق الظلمة ، من أعماق الشقاء، من أعماق اليأس أصرخ إليكم منبّها منذرا. المكان موحش، مرعب ، هائل. لا شبيه له في دنياكم. هنا لقد اكتفنا ليل أبدي لا يبزغ بعده فجر.

في هذا الظلام الدامس أُطبق جفنيّ لعلّي أستمتع بقسط من النوم . ولكن كيف أنام على هذا الفراش الملتهب. واتعستاه ! على هذا الفراش اللاهب كتب عليّ أن أسهد إلى الأبد. فيا لهول المصير.


لست أدري كيف جئت إلى هذا المكان. كنت في عالمكم أسرح وأمرح. وكنت كلما لاح في مخيّلتي شبح الجحيم أغمض جفني كي لا أراه. ثمّ سرت في طريقي هادئ البال غير مفكّر أو مكترث. وفي لحظة من الزمن أغمضت طرفي وفتحته - وإذا بذاك العالم الغرّار قد توارى عن ناظري - فرأيت أرواح الآدمين ورسل الجحيم تتراقص حولي ؛ ثم رأيت الشيطان وقد صوّب نحوي عينيه الناريتين وبسط عليّ جناحيه الأسودين ، فقبض على روحي وزجّّ بها في أعماق الجحيم، ثم صرخ صرخة دوّت لها أركانه: "وسّعي أيتها الجحيم فاكِ ، ها فريسة أخرى لك". أه ! لقد وقعتُ بين مخالب الجحيم الفولاذية ولن أستطيع أن أنجو!


لستُ أقدر أن أصف لكم ما يجول بخاطري وأنا أغوص في بحيرة النار ثم أطفو ! تتضارب في صدري عوامل عدّة هي مزيج من الحزن والألم ، والحسرة والندم ! من حولي النار تستعر، في صدري براكين تثور، وقد كُتب عليّ أن أقضي هنا الأبدية ! أواه ! ليس للأبد بقية فهو لا ينتهي.


ألا حدٌّ لهذا العذاب المتّقد ؟ أوليست هناك ميته أخرى أموتها تضع حدا لما أعانيه ؟ الموت قد فارقنا وهو لدينا أحب كا حبيب. اللهم حنانك ورحمتك !! ولكن أنّى الرحمة ؟ إن هذا ليس مكان الرحمة....


ها أنا أغوص تحت خطاياي ، أغوص إلى حيث لا أعرف قرارا تحت هذا لاحمل الثقيل ! لست أدري كيف استطاعت كرة الأرض أن تحملني وتحمل خطاياي.


بالأمس كنت منعدم الحس واليوم ابصر، بالأمس كنت أهزأ واليوم أبكي دما أحمر.


صراخ الضمير يصمّ آذنيَّ: " ويلاً ! ويلاً طويلا..." نم يا ضميري قليلا ! أه ولكن لن ينام بعد. لقد نام على الأرض طويلا وها هو قد استيقظ يقظته الأبدية ليعذبني عذابا أبديا. وهو يصرخ بأعلى صوته: " يا لك من أحمق غبي ! لقد أخمدت صوتي على الأرض في ملذّاتك العابرة وأهواء نفسك الغرّارة وأميلك الفاسدة وتقواك الزائفة وتديّنك الذي صنعَته يداك فرفضْت صوت النصح والإرشاد فحقّ عليك الآن أن تسمعه صوتا مجلجلا في دخيلة كيانك يطالب بالإنتقام والعقاب الذي تستحقه.
الويل ثم الويل ثم الويل.


أرى حولي نفوسا من مختلف الطبقات والمراكز والأجناس: أرى ملوكا وأشرافا ، أرى نفوسا من ذوي العلم والأدب ممّن لقت المديح والملق ، وهي لا تسمع غير اللعنات والمرجفات وقد صارت طعمة للنار التي لا تفرّق بين البشر.


أرى نفوسا ارتدت ثوب الرياء طويلا إلى أن احترق ذلك الثوب فظهر ما كانت تستر وبرز ما كانت تضمر.


أرى أصحاب المذاهب الذين لم يقوموا على الشهادة التي أعطاها الله من جهة السيّد المسيح. أرى رجال الدين الذين خدعوا البشر بإعطاهم رجاءً كاذبا. ظنّوا أنهم يخدعون الله ولكنهمما كانون إلا لنفوسهم خادعين.


أرى مبتدعين بدعا وأضاليل ولكنهم ما كانوا إلاّ لنفوسهم مضلّين.


أرى أغنياء حُفاة عراة لا يجدون نقطة ماء يبرّدون بها لهيبهم المستعر.


أرى أصحاب اللهو والطرب يرقصون ، ولكنها رقصة الطير المذبوح.


أسمع نفوسا تستنزل اللعنة على غيرها لأنها كانت سبب شقائها: اسمع ابنا يسب أباه ، ويلعن أخاه ، وأُمّا تشتم ولدها.. هنا لا نعرف غير لغة اللعنة المُرّة.


والآن ها أنا أغوص في أعماق الأعماق فلا أرى شيئا.


أيها القارئ اللبيب ، ما عساك أن تقول في هذا البلاغ الخطير ؟ لو تسنّى لنفوس الجحيم الإتصال بنا لأسمعتنا أضعاف ما جاء في هذه الرسالة.


لكن محبة الله الشديدة تجذبك إليه لكي لا تذهب إلى الجحيم. هوذا الله الأبدي يحبك ‍ نعم ، إنّ الله العظيم يحبك أنت بالذات. أحبَّك وأنت لم تزل في خطاياك لآنه لا يشاء هلاكك بل توبتك وإقبالك إلى معرفة الحق من خلال الطريق الوحيد الذي عيّنه.


الله يحبك وما أعظم محبته لك ‍ ما أطول المسافة التي اجتازتها تلك المحبة في سبيل انقاذك من خطاياك ، في سبيل نجاتك من الجحيم .